محمد بن صالح الكناني
27
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
زمن شدّة ، وكان من عادته لا يزوره إلا بتوسعة ويستدعي كل ليلة أناسا من أحبابه ، فمرض برجله ، وانتفخت حتى صارت كالأسطوانة وتوهمه أنه مرض داء الفيل فوقف عليه الشيخ في المنام ، وعرفه بنفسه وقال له : لم تركت الزيارة فاعتذر له بضيق الحال وضيق الطريق فقال : له زرني ولا حرج عليك ، وأظهر له في المنام صحّافا بالزيتون والزيت والخبز وقال له : زرني فما تراه يكفيك فسعى في حينه راكبا بمن يحاذيه ، وبما أمكن من الطعام ، فنزل ببئر الزّاوية ، وغسل رجله بدلو من مائها . قال : فذهب الألم من حينه والنفخ يزول بالتدريج ، حتى رجعت كأصلها في يومين . قلت : لقد كان الشيخ الولي الصالح أبو حفص سيدي عمر عبادة جعل تابوتا لضريح الشيخ ، وأرادوا توجيهه للزاوية بالأحزاب ، وأوقفه بحومة القرقابية ، وأرسل إلى والدي فلما أتاه ، قال : ائتيني بولدك فجاءني وذهبت معه إليه ، فلما أراني قال : ما هو ولدك هذا ، وإنما نريد ولدك الصغير ، وأخي محمد الكناني عمره ما يقرب من عشر سنين ، فلما جاء به إليه قال له : هذا الذي نريده فقدر اللّه سبحانه وتعالى بعد سنين كثيرة ، مات والدي واستولى أخي المذكور على الزاوية فقلت : وهذه مكاشفة من الشيخ عبادة أيضا ، وكرامات الشيخ الكناني كثيرة بعد موته . وهذا ما حضرني الآن منها ، وتوفي في أوائل القرن التاسع بعد الشيخ ابن ناجي ، ودفن بزاويته على ستة أميال من المدينة ما بين قبليها ، وغربيها ، دون وادي زرود فيميل محاذيا بها قصور رقادة التي هي من بناء الأغالبة من الجوف ، وذلك المحل فيه طيب هواء ، لم يكن مثله ولا ما يقرب منه في نواحي القيروان كلها ، ولقد تأتي الزّوّار على حالة مرض فيرجعون صحيحة أبدانهم حتى إن بعضهم حمل إليه على حالة استغراق ، فعوفي ورجع إلى المدينة ماشيا على رجليه ، وهذا من النسيم وطيب الهواء ولقد ذكر الشيخ العلامة ابن الشباط « 1 » في
--> ( 1 ) ابن الشباط : هو أبو عبد اللّه محمد بن علي المصري التوزري له شرح على التخميس الذي خمس به الشقراطسية توفي سنة 681 ه / 1282 م . انظر ترجمته في شجرة النور الزكية 1 / 274 رقم 675 . قال العبدري في رحلته عن تخميسات الشّقراطسيّة : وقد أولع الناس بها كلّ الولوع ، واستحسنوا من محاسنها كل مفرّق ومجموع ، وعنوا بها شرحا وتخميسا ، وغنوا بها معهدا أنيسا ، فخمّسها وشرحها أبو عبد اللّه المصري . ص : 134 .